سيد محمد طنطاوي

450

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولفظ حسب بمعنى كاف وأصله اسم مصدر أو مصدر ، ومعنى * ( بالِغُ أَمْرِه ) * بإضافة الوصف إلى مفعوله ، أي : يبلغ ما يريده - سبحانه - ، وقرأ الجمهور * ( بالِغُ أَمْرِه ) * بتنوين الوصف ونصب أمره على المفعولية ، والمراد بأمره ، شأنه ومراده . وهذه الجملة تعليل لما قبلها . أي : ومن يفوض أمره إلى اللَّه - تعالى - ويتوكل عليه وحده ، فهو - سبحانه - كافيه في جميع أموره ، لأنه - سبحانه - يبلغ ما يريده ، ولا يفوته مراد ، ولا يعجزه شيء ، ولا يحول دون أمره حائل . . ومن مظاهر حكمه في خلقه ، أنه عز وجل - قد جعل لكل شيء تقديرا قبل وجوده ، وعلم علما تاما مقاديرها وأوقاتها وأحوالها . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناه بِقَدَرٍ . وقوله - سبحانه - : وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيراً وقوله - عز وجل - : وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَه بِمِقْدارٍ . قال بعض العلماء ما ملخصه : ولهذه الجملة ، وهي قوله - تعالى - : * ( قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) * موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن ، في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض . . فهذه الجملة لها موقع الاستئناف البياني الناشئ عما اشتملت عليه جمل : * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً . . ) * إلى قوله : * ( إِنَّ اللَّه بالِغُ أَمْرِه ) * لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت ، فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله ، فيقول : أين انا من تحصيل هذا الشيء . . ويتملكه اليأس . . فيقول اللَّه - تعالى - له : * ( قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) * أي : فلا تيأس أيها الإنسان . ولها موقع التعليل لجملة * ( وأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) * فإن العدة من الأشياء التي تعد ، فلما أمر اللَّه بإحصائها علل ذلك فقال : * ( قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) * . ولها موقع التذبيل لجملة * ( وتِلْكَ حُدُودُ اللَّه ، ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه ) * أي : الذي وضع تلك الحدود ، قد جعل اللَّه لكل شيء قدرا لا يعدوه ، كما جعل الحدود . ولها موقع التعليل لجملة : * ( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) * ، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذي جعله اللَّه لمدة العدة ، فقد حصل المقصد الشرعي ، الذي أشار إليه بقوله - تعالى - : * ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) * . ولها موقع التعليل لجملة : * ( وأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّه ) * فإن اللَّه - تعالى - جعل الشهادة قدرا لرفع النزاع .